السيد عبد الله شبر
54
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار
السابع : قال المحدّث الكاشانيّ : معنى قوله عليه السلام : « اعرفوا اللَّه باللَّه » : انظروا في الأشياء إلى وجوهها التي إلى اللَّه سبحانه بعد ما أثبتُّم أنّ لها ربّاً صانعاً ، فاطلبوا معرفته بآثاره فيها ، من حيث تدبيره وقيموميّته إيّاها ، وتسخيره لها ، وإحاطته بها ، وقهره لها حتّى تعرفوا اللَّه بهذه الصفات القائمة به ، ولا تنظروا إلى وجوهها التي إلى أنفسها ، أعني من حيث إنّها أشياء لها ماهيّات لا يمكن أن توجد بذواتها ، بل مفتقرة إلى موجد يوجدها ، فإنّكم إذا نظرتم إليها من هذه الجهة تكونوا قد عرفتم اللَّه بالأشياء ، فلن تعرفوه إذاً حقّ المعرفة ، فإنّ معرفة مجرّد كون الشيء مفتقراً إليه في وجود شيء ليست بمعرفة في الحقيقة . على أنّ ذلك غير محتاج إليه ؛ لما عرفت أنّها فطريّة بخلاف النظر الأوّل ، فإنّكم تنظرون في الأشياء أوّلًا إلى اللَّه عزّوجلّ وآثاره من حيث هي آثاره ، ثمّ إلى الأشياء وافتقارها في أنفسها ، فإنّا إذا عزمنا على أمر - مثلًا - وسعينا في إمضائه غاية السعي فلم يكن علمنا أنّ في الوجود شيئاً غير مرئيّ الذات يمنعنا عن ذلك ويحول بيننا وبينه ، وعلمنا أنّه غالب على أمره ، وأنّه مسخّر للأشياء على حسب مشيّته ، ومدبّر لها بحسب إرادته ، وأنّه منزَّه عن صفات أمثالنا ، وهذه صفات يعرف بها صاحبها حقّ المعرفة . فإذا عرفنا اللَّه عزّ وجلّ بهذا النظر فقد عرفنا اللَّه باللَّه ، وإلى مثل هذه المعرفة أشير في غير موضع من القرآن المجيد ، حيث قال : « إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ » « 1 » ، وأمثال ذلك من نظائره . وعلى هذا القياس معرفة الرسول بالرسالة ، فإنّا بعدما أثبتنا وجوب رسول من اللَّه سبحانه إلى عباده ، وحاولنا أن نعرفه ونعيّنه من بين سائر الناس ، فسبيله أن ننظر إلى من يدّعي ذلك ، هل يبلّغ الرسالة كما ينبغي أن تبلّغ ، وينهج الدلالة كما ينبغي أن تنهج ، فإذا نظرنا إليه من هذه الجهة فقد عرفناه بالرسالة .
--> ( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 190 .